أبو نصر الفارابي
29
كتاب السياسة المدنية
المتجسم جوهرا بالفعل ، والمادة هي التي بها يكون جوهرا بالقوة . فإن السرير هو سرير بالقوة من جهة ما هو خشب ، ويصير سريرا بالفعل متى حصل شكله في الخشب . والصورة قوامها بالمادة ، والمادة موضوعة لحمل الصور . فإن الصور ليس لها قوام بذواتها وهي محتاجة إلى أن تكون موجودة في موضوع ، وموضوعها المادة . والمادة إنما وجودها لأجل الصور . فكأن الغرض الأول إنما كان وجود الصور ، ولما لم يكن لها قوام إلا في موضوع ما ، جعلت المادة موضوعة لتحمل الصور . فلذلك متى لم توجد الصور ، كان وجود المادة باطلا ، وليس في الموجودات الطبيعية شيء باطل . فلذلك لا يمكن أن توجد المادة الأولى خلوا من صورة ما . فالمادة مبدأ وسبب على طريق الموضوع لحمل الصورة فقط ، وليست هي فاعلة ولا غاية ولا لها وجود وحدها بغير صورة « 1 » . والمادة والصورة كل واحد منهما يسمى بالطبيعة ، إلا أن أحراهما بهذا الاسم هو الصورة . مثال ذلك البصر : فإنه جوهر ، وجسم العين مادته ، والقوة التي بها يبصر هي صورته ، وباجتماعهما يكون البصر بصرا بالفعل . وكذلك سائر الأجسام الطبيعية .
--> ( 1 ) الجواهر المتجسمة تتركّب من مبدأين هما المادة والصورة . المادة هي الجوهر بالقوة والصورة تصيرها جوهرا بالفعل عندما تتحد بها . فالمادة موضوع الصورة والصورة كمال المادة . ولا وجود لإحداهما دون الأخرى .